نون الكتابة

قياسي

أعترف بصراحة شديدة، أنني أتهرب كثيرا عن الكتابة حول موضوع النسوية، ليس خوفا مني، بل إيمانا أن المرأة هي أم الطبيعة ومدار الكون وسر الجمال، فعندما تؤمن كل امرأة بقيمتها الذاتية، فهي لا تحتاج أن يصفق لها أحد، بل إنها تمضي قدما في أغوار هذه الحياة غير آبهة بما حصل وسيحصل، لأنها على ثقة تامة بأنها تقوم بدورها الإيجابي لا السلبي في هذه الحياة، وتمارس واجبها الإنساني على أكمل وجه من دون أن يذكرها أحد بذلك.

تعتبر الكتابة أحد السبل التي تجرد كينونية الإنسان، بل إنها مفتاح لكل عاطفة، فهي توقظ فيه الضمير الحي وتشعل فيه قنديل الرحمة. ويمكننا القول إن المرأة تجد في الكتابة ملجأها الوحيد في تبيان مشاعرها اتجاه القضايا المصيرية، اذ ان التاريخ خلد أسماء الكثيرات من الأدبيات المبدعات على مدار عصور متعاقبة على اختلاف الظروف والزمان والمكان، وقد سجلت جائزة نوبل حصول اثنتي عشرة امرأة على جائزة نوبل في مجال الأدب آخرها كان عام 2015م.

تعد الكاتبة السويدية سلمى لاغرلوف أول امرأة حصلت على جائزة نوبل عام 1909م في مجال الأدب الروائي للأطفال. استنبطت حكاياها من خيال مدينتها وأغنيات الفلاحين وأساطير الجدات، فقد وصفت نزعات الإنسان وميوله الفطري من حب وكره بعباراتها وأساليبها البلاغية، حاملة قراءها بين السويد وفلسطين ومصر. تُعتبر روايتها مغامرات نيلز أشهر ما امتلأت به أرفف المكتبات العالمية، حيث ترجمت إلى 30 لغة منها العربية، وتم تحويلها أيضا إلى مسلسل كرتوني جابت به أقطار العالم.

فيما تُوجت الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار بأنها إحدى أهم الأصوات النسوية المؤثرة في مجال الأدب، حيث لعبت دورا رياديا ومصيريا في تحرير المرأة من القيود المجتمعية التي فرضت عليها آنذاك من خلال كتاباتها وخطاباتها، وقد عرفت بعبارتها الشهيرة «لا نولد نساء، بل نصبح كذلك»، وقد حاز كتابها الجنس الآخر على عدد لا يستهان به من المعجبين، حيث شرحت من خلاله كل ما يتعلق بالمرأة ويحدها من جميع النواحي التي تخص كيانها الأنثوي.

كما أننا لا نستطيع أن نستثني المرأة العربية من هذا المجال، فالخنساء إحدى الشاعرات اللاتي تميز شعرهن بالفصاحة والبيان والإيجاز،فلا يُنكر سجالها الأدبي في سوق عكاظ، خصوصا إذا كان الأمر يتعلق بقصائد الرثاء والحزن، حتى قال عنها الذبياني «إِنَّكِ أَشْعرُ الجِنِّ والإِنْس».

إضافة إلى ذلك،تُعرف الأديبة مي زيادة بأنها إحدى رائدات الحركة الأدبية النسوية في القرن التاسع عشر،حيث تصدرت كلماتها بين نساء جيلها، بأسلوب رصين وعبارات ذات نسق عاطفي بامتياز،وبذكاء أنثوي يغلب عليه الطابع الشاعري المفعم بالمحبة والضياء، لاسيما في كتابها الشهير «غاية الحياة»، والذي كان عبارة عن محاضرة ألقتها على مسامع جمع غفير من الفتيات حول المساواة والثقافة والانفتاح.

كل هذه النماذج النسوية حول العالم، هي بلا شك مصدر فخر واعتزاز إلى كل امرأة، كيف لا وهي تبدع بخصوبة أمومتها ودفء وجدانها،ليفيض النص دلالا وحبا، فيغدو نصا لا يشبه غيره من النصوص. ولكن دعونا نطرح تساؤلا عميقًا،لماذا تصنف المنجزات الأدبية للكاتبات تحت خانة الأدب النسوي؟ أليس هذا حصر لدورها الإنساني؟ وعزلها بطريقة غير مباشرة؟ أم هو دلع خاص يحفها ونحن لا نعلم؟

http://m.alraimedia.com/ar/article/culture/2017/11/28/807459/nr/nc

Advertisements

الشفرة السرية… اللغة

قياسي

كثيراً ما يصادف أن تفتح فاهك وتندهش كطفل صغير عند استماعك إلى أحدهم وهو يتقن لغة ما أو عندما تجده يجيد فن صياغة الكلام على وتد الكلمات بسرعة حادقة وخفة بالغة تثير فيك الإعجاب والفرح، وفي الوقت ذاته تخلق فيك تساؤلا. أهي اللغة ساحرة فعلاً أم أنه إعجاز الترجمة؟

اللغة التي نبتت في الإنسان منذ نشأته، فترعرع وتربى عليها وأصبحت جزءاً من خارطة جسده وعلامة فارقة يتميز بها عن الآخرين من حوله، فتدلك على بيته وأصله وعرقه ولونه من دون تفصيل يذكر وإنما من خلال لغته فقط.

لقد كانت وما زالت اللغة هي كينونة الإنسان ومصيره الحتمي في هذه البقعة الكونية ، فمن غير الممكن أن يفصلها عن ذاته، فكيف يفصلها، وهي ذاته الأولى ومفتاح إحساسه وبوصلة أفكاره، وغدير مشاعره.

إن اللغة تجمع فيك كل الأشياء الخاصة بك أيها الإنسان بل تزدحم بك، فتجعلك كائنا يحتاج إلى اللغة ومن دونها لا تكون كائنا، فهي كل حواسك وتصرفاتك،وأحلامك وطموحك وممارستك وسلاحك في مقاومة هذه الحياة أينما وجدت وستوجد، فكل شيء يمر منها وفيها وإليها.

وقد يستغرب البعض كيف أن اللغة تحول كل شيء من حولها إلى كلام ومعنى وحدث وشعور،دون الحاجة إلى الشفاه أن تتحرك، فعندما ترسل العين نظراتها، فإنها تحمل ألف لغة وخطاب وصورة، تغني عن النطق والإفصاح، عندها ترسم وصفك وصفاتك من دون أن تنبس بحرف أو تدلل بكلمة.

في المقابل، لاينكر أحد منا أن للهجة أهمية كبرى تتداخل مع اللغة، فاللهجة التي لايمكن لها أن تنفصل عن اللغة إطلاقا، فاللهجة ابنتها البارة، وقد جاء في تعريف اللغة «أنها التعبير عن الأفكار بواسطة الأصوات الكلامية المؤتلفة من كلمات»، بينما عُرفت اللهجة «أنها مجموعة من الصفات اللغوية تنتمي إلى بيئة خاصة»، وهذا يدل على صعوبة الفصل بينهما وحتى في النصوص المترجمة بكافة أنواعها.

فيما يلجأ البعض منا إلى تغير لهجته إلى لهجة أكثر رقي كما يعتقد. هذه اللهجة نفسها هي التي تثير التوتر والقلق لدى المترجمين، فعندما يقوم المترجم بترجمة نص شعري على سبيل المثال، فإنه يحتاج إلى أن يعرف ويدرك المناخ الثقافي التي انبثقت منه هذه الكلمات، بالإضافة إلى المحافظة على معناها الأصلي بدقة تامة من دون الإخلال بها، هذا ما يعني أن ينقل رسالة حضارات وتاريخ دول وحياة أناس، وهذا جهد ليس باليسير في حقيقة الأمر.

إلى ذلك، نجد اليوم أنفسنا وسط هذا الزحام الكبير في الحياة، في حرب نفسية تأجج فينا صراعا عميقا وثقيلا، حول اللغة التي باتت محل نزاع وسلم، ففي مقابلة صحافية مع المترجم الفرنسي أنطوان جوكي أكد فيها أن هناك ازديادا على طلب الكتب العربية للترجمة الغربية، نظرا لصراعات السياسية الطاحنة والأزمات الطائفية التي يعاني منها الوطن العربي، هذا ما يعني أنها أصبحت لغة قتل ودمار بعدما كانت لغة حب وسلام!

http://www.alraimedia.com/ar/article/culture/2017/11/07/802993/nr/lebanon

الفن الساحر… السينما

قياسي

يؤسفني القول بأنني أحببت السينما آخيراً، وهي التي تمنح متعة المشاهدة الكاملة كوحدة فنية متناسقة بشكل مختلف عن بقية الفنون الأخرى، فهي التي تغريك من أول نظرة وتحملك إلى عالمها السحري بخفة تدهشك كطفل صغير تماما، وتجول بك البحار والأقطار، لتهديك قصة من كل بلد وعبرة من كل حديث.

يرجح المؤرخون إلى أن بداية ظهور السينما كانت على يد الفنان الإيطالي ليوناردو دافنشي عام 1558عن كتابه السحر الطبيعي، الذي دون فيه أن الإنسان إذا جلس في غرفة مظلمة وفي أحد جدرانها ثقب صغير، بينما الشمس ساطعة في الخارج، فإن الجالس في الغرفة يستطيع أن يرى على الحائط المقابل ظلالاً أو خيالاً لما هو خارج الغرفة من أشجار أو عربات أو أشخاص وذلك نتيجة الشعاع النافذ إلى الغرفة من الثقب الصغير.

كما يرى البعض أن المخترع الشهير أديسون هو البداية الأولى عن اختراعه جهاز مصور الحركات والذي يقوم بعرض صور متحركة باستمرار، حيث كان عرض أول فيلم بواسطة هذا الجهاز والذي حمل مضمون صور مستمرة الحركة لفتيات يؤدين رقصة تمثيلية ترفيهية عام 1893.

ويمكن القول إنه تعود البداية الحقيقية لولادة السينما في فرنسا عام 1895، نتيجة الجمع بين ثلاثة اختراعات هي اللغة البصرية والفانوس السحري والتصوير الفوتوغرافي، هذا الاكتشاف الذي سجله الأخوان أوجست ولويس لومبير باختراعهما جهازاً يمكن عرض الصور المتحركة على الشاشة في 13 فبراير1895 م، وتم إجراء أول عرض  لما بات يعرف باسم سينماتوغرافي و الذي شاهده الجمهور في 28 ديسمبر في العام نفسه في باريس.

بدأت اليوم تزداد نوعية الأفلام وتصنيفاتها بسبب رواجها عالميا في كل البلدان وحصولها على اهتمام خاص من قبل المجتمعات والحكومات، مما أحدث طفرة جعلت السينما ليست وسيلة ترفيهية فحسب، بل أداة حرب يمكن أن تقصف جبهات العدو وهذا ما حدث في الحرب العالمية الثانية،حيث كانت السينما الأميركية تتغنى في غالب أفلامها بأمجاد الجيوش الأميركية عن طريق الاستعراض والميلودراما، ناهيك عن استخدام العنصر الأنثوي فيها بفكرة تصطبغ فيها الإنسانية والديموقراطية، وبهذا تقدم لنا دعاية قوية وأيدلوجية جاهزة.

وقد يستغرب البعض كيف وصلت هوليود إلى هذا المستوى المتقدم، ذلك يرجع الفضل إلى العام 1914م إبان الحرب العالمية الأولى، فقد كانت السينما الأوروبية في تراجع تام بسبب الحرب، والتي أدت إلى انحدارها وتعثرها بعدما كانت في المقدمة، إضافة إلى ذلك، هجرة العديد من الممثلين الأوروبيين إلى لوس أنجلوس أبرزهم شارلي شابلن الذي تحول من ممثل هزلي إلى سياسي.

في المقابل، فإن السينما العربية لم تقدم شيئا يخدمها في تلك الحقبة الدموية التي عاشتها خلال حرب أكتوبر والخطابات الناصرية، فقد كانت السينما المصرية صاحبة الفضل لوحدها في إنتاج فيلمين فقط ذات طابع عسكري أما البقية، فأخذت طابعها المعتاد عليه.

خليجيا، تعتبر البحرين الأولى سينمائيا، فقد تم افتتاح أول دار سينما عام 1922م على يد محمود الساعاتي واستقبل أهالي المنامة نبأ تواجد السينما في كوخ صغير يقع على ساحل البحر، بعد ذلك تم تأسيس أول دار سينما عام 1937م تحت اسم مسرح البحرين.

إلى ذلك، فإن الإمارات العربية المتحدة تتصدر أكبر سوق سينمائي خليجيا، والذي يمهد الآفاق لفتح سوق صناعة الأفلام في الخليج. كل ذلك شيء جميل، ولكن لا يذكر مقابل ما نملك من إبداعات ومواهب شابة تستحق الأخذ بيدها وتطويرها في هذا المجال، ماذا ينقص شبابنا العربي والخليجي حتى لا يكون في المقدمة؟ أترك الجواب لكم!

http://m.alraimedia.com/ar/article/culture/2017/10/15/798130/nr/bahrain

الهوية… انتماء ووطن

قياسي

منذ أن يخرج الإنسان من رحم أمه، ينسب إليه اسمه وأصله ودينه وموطنه، فيحمل هذه البيانات حتى وفاته، والتي تدون دليلا على وجوده في هذه الحياة وانتمائه إلى هذا الكون. هذه البيانات التي تشكل هويته الشخصية والتي تجعله غير متماثل مع أي شخص والتي وضعت من دون اختياره، والتي تجعله يعتز بنفسه من دون الوعي الكافي بالمعنى الحقيقي إلى الانتماء.

انتشر في الآونة الأخيرة في شبكات التواصل الاجتماعي، فيديو يحمل ردات فعل مختلفة لبضعة أشخاص من أقطار متنوعة من العالم، والذي يستعرض نتائج مخبرية قام بها العلماء عن طريق تحليل اللعاب الخاص لكل فرد، حتى يتمكن من معرفة أصله وانتمائه الجذري الذي يرجع إليه، وكانت النتائج مذهلة ومدهشة حقاً.

النتائج التي عرضت وبشكل علني أمام شاشات التلفزة والتي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي، حملت رسالة واضحة إلى المجتمعات وإلى الفرد نفسه، وهي التي تذكره بمعنى إنسانيته قبل لون عينه واسم بلدته ولغة قومه وهويته الدينية.

إن مسألة الهوية مسألة حساسة مهمة إلى الإنسان بطبيعة الحال، خصوصا مع تفاقم الوضع المعيشي في المنطقة وازدياد الحروب الطائفية واندلاع الأزمات السياسية والاقتصادية على حد سواء. هذا الوضع الذي يساهم وبشكل كبير على دخول كل إنسان فينا في صراع شخصي مع ذاته، وسؤاله من أنا؟ ومن أكون؟

إن طرح هذه الأسئلة جعلت الكثير منا ينجرف وراء تيار قوي لا يستطيع مواجهته بسهولة إلا عن طريق مصارحة نفسه، حسنا فأنا عربية أنتمي إلى الخليج وأتكلم اللغة العربية وديني هو الإسلام. هذه الخصائص الذي يشترك معي ملايين الأشخاص من حولي فيها من كلا الجنسين، كما أنه ولد وسيولد بعد يوم أو شهر أو سنوات من يشاركني الصفات نفسها، ومع ذلك أنا مختلفة عنهم في الأفكار والميول والاتجاهات الفكرية والثفافية. فأنا وأنت مركب غير متشابه ولسنا بنسخة مكررة عن ذا وذاك، ولا يمكن لأحد أن يحل مكاني أو مكانك، بل كل واحد منا مركب فريد يستحق التقدير والاحترام.

نال التاريخ سلسلة مطولة من الأحداث المفجعة التي راح ضحيتها الكثير من الأبرياء بسبب اختلاف انتمائهم الديني ولغتهم القومية. والأمثلة لا تخلو من التزمت والعنف والاضطرابات في شخصية هؤلاء الأفراد الذين قاموا بهذه الأفعال الشنيعة، فالضحايا لا يمكن أن ينسوا ما تعرضوا له، بل أصبح جرحاً ثاغراً في قلوبهم الفائرة، ورمزا وشهادة يفتخروا بها على مدى الزمن.

إن النظرة الضيقة التي حجزت هؤلاء المساكين في مساحة محدودة بسبب اختلافهم الذي لا يعدو شيئاً مهماً في الواقع مقارنة بالقضايا المصيرية كالجوع والفقر والأمية والتي تعد أهم المحاور التي يجب أن تؤخذ على محمل الجد، بدلا من النزاع على أمور لا جدال فيها.

ليس من المعيب أو من الخطأ أن يذكر الإنسان أصله العرقي أو يشير إلى دينه، فمن الطبيعي جدا أن يتكلم ويفصح، وإخفاؤه ذلك دليل على خلل يعاني منه في شخصيته، فالتصريح بذلك لا يؤهل أي شخص لاستهداف جماعة أو فرد سواء كان ماديا أو معنويا.

انتمائي الديني والفكري لا يعني أني أكره وطني وأبناء قريتي، ولا يعني أيضا أني أنسلخ عنهم، بل هو من حقي الأساسي كإنسانة بالدرجة الأولى، ولكن دعونا نتفحص ضمائرنا أولا ونسأل أنفسنا هل نحن بالفعل نحمل هوية إنسانية بصبغة حيادية؟ كم يا ترى نحتاج من الزمن في هذه الحياة حتى نعيش بحب مخضر وابتسامة لا تغيب وطهر لا ينتهي؟ كم يا ترى؟.

http://m.alraimedia.com/ar/article/culture/2017/09/03/787971/nr/kuwait

قراءة في كتاب(12)

قياسي

20638618_10155676543469198_5906981902796852559_n

 

 

كيف تستطيع صلاة واحدة أن تزيل صدأ الروح، بحيث يعود الواحد أنقى في كل مرة؟
..
وحده القرب ممن نحب قد يجعل الموت أخف وطأة ينزع من الخائفين خوفهم قبيل لقاء مصيرهم
..
بهذه العبارات حملني حجي جابر معه في رحلته الترانزيت بين جدة وأسمرا،ولقاءات لا تنتهي وحوارات لم تتسرب أحداثها بعد .
..
هذه الرواية التي تأخذك طوعا إلى حيث الرمال الذهبية التي تزكم
أنفك برائحة شاطئية تجذبك أينما تحل فيها.أسمرا تلك البلدة التي بدأ الكاتب معنا فيها حكايته السمراء بلونها المدهش متداخلا بصوت ارتطام حبات القهوة التي لا يعرفها إلا الإرتيرين.
..
تفاصيل الرواية التي تدهشك ببعدها الثقافي والسياسي لا يجعلك تنفك عنها بل تندهش لأنك كنت تجهل بلدا بهذه القيمة الحضارية والثقافية،ابتداء من كسوة الكعبة إلى سجون نخرة السياسية انتهاءا بالقبب العثمانية والآبار التي لم تجف بعد
..
هكذا حجي جابر يحاصرك بأسلوبه وتفاصيله الدقيقة وعباراته العميقة وصفحاته القصيرة،لينقش في ذاكرتك اسم بلاده بعيدا عن التحزب الطائفي والصراعات المذهبية القاتلة
..
بعدما أغلقت صفحات الرواية ازدادت قناعتي أن لا شيء يعادل الجمال الأسمر في كل شيء. 

الطريق إلى الجنة

قياسي

رغم أنني أكره تصفح الأخبار السياسية التي تجبرني دائما على أن أتبعها في كل مرة؛ حيث تراوغني وتصطف على شاشة هاتفي بإصرار مسبق أن افتحي هذا الخبر، فهي التي تعكر صفو يومي وتقلب مزاجي بشكل كبير، بل جميع من في هذا الكون يشعر بما أشعر بمجرد أن يتلقى هذه الأنباء، ولا أكذب عليكم إن قلت إنني أحاول أن أتجاهلها ولكني لا أتمكن من ذلك، فهي بمنزلة صفعة حارة تختال وجهي.
كيف لي أن أحبب لقلبي مشاهدة ومتابعة الأخبار السياسية التي تعلو على موجات التدمير والقتل والدمار باستمرار لا ينقطع؟، وكأنما وجدنا في هذه الحياة لنعيش صراعات طائفية خانقة تنعدم فيها كل أسس الحوار الراقي ومبادئ التفاهم ومعاني السلمية والمحبة والعطاء، كيف لي أن أتقبل إلغاء الآخر بأساليب العنف والتنكيل والكره الشديد؟
في كل يوم تخترق أسماعنا أصوات التفجيرات والبكاء والعويل من الصغار قبل الكبار ببشاعة تدمي قلوبنا التي أصبحت اليوم لا تذرف دمعة واحدة أو تلبس الحداد يوما واحدا. تبلدت فينا الإنسانية، وأصبح ضميرنا جامداً لا ينطق كحجر. فكم قتيلاً تحصد هذه الأرض؟ وكم جريحاً تئن أوجاعه بخذلان؟ وكم امرأة ثكلت بأولادها الذين لم يبلغوا الحلم بعد؟
الأرواح الملائكية التي ترتفع إلى السماء في كل دقيقة دون سبب أو مبرر في كل بقاع الأرض، صارت لا تختصر مناطق معينة، بل باتت اليوم تتجاوز كل الحدود من مصر إلى الشام إلى باريس إلى تركيا، والقائمة تطول وتزداد يوميا، بلا توقف، بلا رادع حقيقي، وسؤالي: إلى متى؟
إن المشكلة بالفعل ليست في توافر رؤوس الأموال الضخمة التي تمول كل هذه العمليات الإرهابية التي يسميها بعض الأشخاص عمليات استشهادية فحسب، بل في العقول التي تدير وسائل الإعلام اليوم التي تبث من خلال أدواتها سموم الطائفية وتثير كل الخطابات النتنة وتروج إلى مفاهيم تخلو من الرحمة والتسامح الفكري التي يقودها كبار فقهاء الدين، وكما يؤمنون أن لا طريق إلى الجنة إلا عن طريق…!
إن الدين الذي يعتقدون به هؤلاء ليس دين محمد ولا عيسى ولا موسى، إنما هو دين صنعته أجنداتهم وعقولهم المظلمة وقلوبهم المغلقة، التي تفتقر إلى العلم والحياة الطبيعية وهي حق كل إنسان. فعندما يجهل الإنسان قيمته الوجودية والسر الإلهي العظيم الذي خلق من أجله وأهمية التنوع الكوني، من الطبيعي جدا أنه سيتجه إلى طريق دامس جدا، وستكون حياته مملوءة بالملل وقاسية عليه، وبلا ريب خالية من الإبداع والإنجاز والسعادة.
الطريق إلى الجنة ليس بالعمليات الانتحارية، فالرب الذي خلقنا في كوكب واحد وجمعنا في مناطق متعددة، كان أعلم بأن اختلافنا رحمة لا نقمة، فلماذا نحن لا نكون رحماء على بعضنا، ونحن من بعضنا؟، فكلنا من آدم، وآدم من تراب.

http://www.alsharq.net.sa/2017/04/14/1669445

اللغة الفاتنة.. الموسيقى

قياسي

ألق وجاذبية وسحر خافت وضياء لامع وتراتيل تصاغ من جلابيب القلب، حينها يلتقي الذهن بالروح في أروع صورة على الإطلاق وأكثرها عفوية ومحبة وصفاء، ليتراقص الوجدان على أحلى نغم في عالم لا يشبه أي عالم، في عالم هادئ مملوء بالسلام والحياة والحس النقي، عالم فاتن جدا، إنه عالم الموسيقى.
تعود كلمة الموسيقى (Musicc) في الأصل إلى الإغريقيين؛ وتعني فن مألفة الأصوات والسكوت عبر فترة زمنية، وهي فن سمعي وبصري وجمالي. توصف خصائص الصوت الموسيقى أنها هي طبقة الصوت التي تشمل اللحن وتجانس الإيقاع (بما فيه الميزان)، والجودة الصوتية لكل من جرس النغمة (timbree)، والزخرفة (articulation)، والحيوية (dynamics)، والعذوبة (texture). وقد كانت كلمة الموسيقى تطلق على كامل الفنون والمعارف إلّا أنّها اتّخذت هذا المعنى المتخصص بعد ذلك.
وتختلف الموسيقى من جنس إلى آخر ويعود السبب إلى اختلاف الآلة المستخدمة في ذلك، التي تصنف إلى الآلات العضوية مثل (صوت الإنسان والتصفيق)، والآلات النفخ مثل (الناي، الصفارة) وكذلك الآلات الوترية مثل(العود والقيثارة و الكمان)، بالإضافة إلى الإلكترونية مثل (الأورغ). ويتفاوت أداء الأشخاص الموسيقي بين موسيقى منظمة بشدة في أحيان، إلى موسيقى حرة غير مقيدة بأنظمة في أحيان أخرى. والموسيقى اليوم لا تتضمن العزف فقط بل أيضا القرع في الطبول وموسيقى الهرمونيكا والباليه. عرفت الموسيقى منذ الأزمنة القديمة في عدة استخدامات في الحزن والفرح والحرب والسلم والمناسبات الدينية كنوع من الطقوس الأساسية في الكنائس على سبيل المثال في أوروبا، كما تعتبر من الفنون البشرية التي هي أصل عديد من الحضارات، وقد ذكرت الدراسات أن الإنسان قد قام باكتشاف كيفية صنع الناي بحلول عام 100000 قبل الميلاد ، كما قد تم تسجيل أول آلة موسيقية عام 2500 ق.م، ومع حلول القرن الثامن قبل الميلاد بدأت الموسيقى في الانتشار والتطور لاسيما الغناء المنفرد في روما.
أما بالنسبة لتاريخ الموسيقى عند العرب، فقد تطورت بعد دخول الإسلام وقد شكلت أنشودة«طلع البدر علينا» نقلة نوعية في الحجاز، وقد اشتهرت الشاعرة ولادة بنت المستكفي بأهازيجها وكذلك الشاعر صفي الدين الحلي بقصائده التي أخذت منحى خاصا في هذا المجال، وقد أحصى المستشرق والعالم الموسيقي الإيرلندي هنري جورج فارمر H.G.Farmer في كتابه (مصادر الموسيقى العربية) الكتب التي عُنيت كلياً أو جزئياً بالموسيقى العربية، حتى القرن السابع الميلادي، فبلغت ما يربو على 350 مخطوطة. إلى ذلك، فقد عُثر في مدينة أوغاريت الأثرية شمالي مدينة اللاذقية في سوريا على رُقُم موسيقية غنائية تعود إلى 1400 عام قبل الميلاد، وتعدّ أقدم مدونة موسيقية في العالم. كما عُثر فيها على قيثارة سومرية تعود إلى 2500 سنة قبل الميلاد وهذا ما يدل على وجود حضارة موسيقية فنية منذ عصور غابرة في سوريا العربية. وقد قام الفارابي بتأليف كتاب الموسيقى الكبير الذي تضمن الأسس والقواعد الموسيقية التي يسير على نهجها الموسيقيون العرب حتى يومنا هذا. وتعتبر المقامات الموسيقية هي الأساس اللحني والنغمي للموسيقى العربية وهي تتميز بالطبقات الصوتية أو أدوات العزف ولا تتضمن الإيقاع وكان أول ظهور للموشحات في الأندلس التي كانت متصلة بالنغم والإيقاع وقد تطورت الموسيقى في البيئة الأندلسية من خلال ظهور موسيقيين متميزين مثل زرياب الذي أضاف الوتر الخامس للعود. ويرى الباحثون في المجال الطبي أن الموسيقى أحد العلاجات النفسية الناجحة، فبمجرد أن يتلقى الدماغ شحنة من الذبذبات الموسيقية، فإنه ينتج عنه زيادة في إنتاج هرمون الأندروفين الذي يمنح شعور الاسترخاء والسعادة والقضاء على الألم النفسي أو الجسدي. يحيط اليوم جهل كبير بالموسيقى والموسيقيين، على الرغم من بيان أهميتها، وأستغرب كثيرا ممن يقلل ويسخط من دورها وينعتها بالهراء، فهي اللغة التي تخترق الحواجز والأذهان وتخاطب كل الأمم دون أي تكلف فلا تحتاج إلى ترجمة أو تفسير، هي لغة الشجر وصوت الأرض، ورنيم الملائكة، وكما قال جبران أعطني النايَ وغـَنّي، فالغِناء سِـرُّ الوجودْ.

http://www.alsharq.net.sa/2017/03/11/1657381