الهوية… انتماء ووطن

قياسي

منذ أن يخرج الإنسان من رحم أمه، ينسب إليه اسمه وأصله ودينه وموطنه، فيحمل هذه البيانات حتى وفاته، والتي تدون دليلا على وجوده في هذه الحياة وانتمائه إلى هذا الكون. هذه البيانات التي تشكل هويته الشخصية والتي تجعله غير متماثل مع أي شخص والتي وضعت من دون اختياره، والتي تجعله يعتز بنفسه من دون الوعي الكافي بالمعنى الحقيقي إلى الانتماء.

انتشر في الآونة الأخيرة في شبكات التواصل الاجتماعي، فيديو يحمل ردات فعل مختلفة لبضعة أشخاص من أقطار متنوعة من العالم، والذي يستعرض نتائج مخبرية قام بها العلماء عن طريق تحليل اللعاب الخاص لكل فرد، حتى يتمكن من معرفة أصله وانتمائه الجذري الذي يرجع إليه، وكانت النتائج مذهلة ومدهشة حقاً.

النتائج التي عرضت وبشكل علني أمام شاشات التلفزة والتي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي، حملت رسالة واضحة إلى المجتمعات وإلى الفرد نفسه، وهي التي تذكره بمعنى إنسانيته قبل لون عينه واسم بلدته ولغة قومه وهويته الدينية.

إن مسألة الهوية مسألة حساسة مهمة إلى الإنسان بطبيعة الحال، خصوصا مع تفاقم الوضع المعيشي في المنطقة وازدياد الحروب الطائفية واندلاع الأزمات السياسية والاقتصادية على حد سواء. هذا الوضع الذي يساهم وبشكل كبير على دخول كل إنسان فينا في صراع شخصي مع ذاته، وسؤاله من أنا؟ ومن أكون؟

إن طرح هذه الأسئلة جعلت الكثير منا ينجرف وراء تيار قوي لا يستطيع مواجهته بسهولة إلا عن طريق مصارحة نفسه، حسنا فأنا عربية أنتمي إلى الخليج وأتكلم اللغة العربية وديني هو الإسلام. هذه الخصائص الذي يشترك معي ملايين الأشخاص من حولي فيها من كلا الجنسين، كما أنه ولد وسيولد بعد يوم أو شهر أو سنوات من يشاركني الصفات نفسها، ومع ذلك أنا مختلفة عنهم في الأفكار والميول والاتجاهات الفكرية والثفافية. فأنا وأنت مركب غير متشابه ولسنا بنسخة مكررة عن ذا وذاك، ولا يمكن لأحد أن يحل مكاني أو مكانك، بل كل واحد منا مركب فريد يستحق التقدير والاحترام.

نال التاريخ سلسلة مطولة من الأحداث المفجعة التي راح ضحيتها الكثير من الأبرياء بسبب اختلاف انتمائهم الديني ولغتهم القومية. والأمثلة لا تخلو من التزمت والعنف والاضطرابات في شخصية هؤلاء الأفراد الذين قاموا بهذه الأفعال الشنيعة، فالضحايا لا يمكن أن ينسوا ما تعرضوا له، بل أصبح جرحاً ثاغراً في قلوبهم الفائرة، ورمزا وشهادة يفتخروا بها على مدى الزمن.

إن النظرة الضيقة التي حجزت هؤلاء المساكين في مساحة محدودة بسبب اختلافهم الذي لا يعدو شيئاً مهماً في الواقع مقارنة بالقضايا المصيرية كالجوع والفقر والأمية والتي تعد أهم المحاور التي يجب أن تؤخذ على محمل الجد، بدلا من النزاع على أمور لا جدال فيها.

ليس من المعيب أو من الخطأ أن يذكر الإنسان أصله العرقي أو يشير إلى دينه، فمن الطبيعي جدا أن يتكلم ويفصح، وإخفاؤه ذلك دليل على خلل يعاني منه في شخصيته، فالتصريح بذلك لا يؤهل أي شخص لاستهداف جماعة أو فرد سواء كان ماديا أو معنويا.

انتمائي الديني والفكري لا يعني أني أكره وطني وأبناء قريتي، ولا يعني أيضا أني أنسلخ عنهم، بل هو من حقي الأساسي كإنسانة بالدرجة الأولى، ولكن دعونا نتفحص ضمائرنا أولا ونسأل أنفسنا هل نحن بالفعل نحمل هوية إنسانية بصبغة حيادية؟ كم يا ترى نحتاج من الزمن في هذه الحياة حتى نعيش بحب مخضر وابتسامة لا تغيب وطهر لا ينتهي؟ كم يا ترى؟.

http://m.alraimedia.com/ar/article/culture/2017/09/03/787971/nr/kuwait

Advertisements

قراءة في كتاب(12)

قياسي

20638618_10155676543469198_5906981902796852559_n

 

 

كيف تستطيع صلاة واحدة أن تزيل صدأ الروح، بحيث يعود الواحد أنقى في كل مرة؟
..
وحده القرب ممن نحب قد يجعل الموت أخف وطأة ينزع من الخائفين خوفهم قبيل لقاء مصيرهم
..
بهذه العبارات حملني حجي جابر معه في رحلته الترانزيت بين جدة وأسمرا،ولقاءات لا تنتهي وحوارات لم تتسرب أحداثها بعد .
..
هذه الرواية التي تأخذك طوعا إلى حيث الرمال الذهبية التي تزكم
أنفك برائحة شاطئية تجذبك أينما تحل فيها.أسمرا تلك البلدة التي بدأ الكاتب معنا فيها حكايته السمراء بلونها المدهش متداخلا بصوت ارتطام حبات القهوة التي لا يعرفها إلا الإرتيرين.
..
تفاصيل الرواية التي تدهشك ببعدها الثقافي والسياسي لا يجعلك تنفك عنها بل تندهش لأنك كنت تجهل بلدا بهذه القيمة الحضارية والثقافية،ابتداء من كسوة الكعبة إلى سجون نخرة السياسية انتهاءا بالقبب العثمانية والآبار التي لم تجف بعد
..
هكذا حجي جابر يحاصرك بأسلوبه وتفاصيله الدقيقة وعباراته العميقة وصفحاته القصيرة،لينقش في ذاكرتك اسم بلاده بعيدا عن التحزب الطائفي والصراعات المذهبية القاتلة
..
بعدما أغلقت صفحات الرواية ازدادت قناعتي أن لا شيء يعادل الجمال الأسمر في كل شيء. 

الطريق إلى الجنة

قياسي

رغم أنني أكره تصفح الأخبار السياسية التي تجبرني دائما على أن أتبعها في كل مرة؛ حيث تراوغني وتصطف على شاشة هاتفي بإصرار مسبق أن افتحي هذا الخبر، فهي التي تعكر صفو يومي وتقلب مزاجي بشكل كبير، بل جميع من في هذا الكون يشعر بما أشعر بمجرد أن يتلقى هذه الأنباء، ولا أكذب عليكم إن قلت إنني أحاول أن أتجاهلها ولكني لا أتمكن من ذلك، فهي بمنزلة صفعة حارة تختال وجهي.
كيف لي أن أحبب لقلبي مشاهدة ومتابعة الأخبار السياسية التي تعلو على موجات التدمير والقتل والدمار باستمرار لا ينقطع؟، وكأنما وجدنا في هذه الحياة لنعيش صراعات طائفية خانقة تنعدم فيها كل أسس الحوار الراقي ومبادئ التفاهم ومعاني السلمية والمحبة والعطاء، كيف لي أن أتقبل إلغاء الآخر بأساليب العنف والتنكيل والكره الشديد؟
في كل يوم تخترق أسماعنا أصوات التفجيرات والبكاء والعويل من الصغار قبل الكبار ببشاعة تدمي قلوبنا التي أصبحت اليوم لا تذرف دمعة واحدة أو تلبس الحداد يوما واحدا. تبلدت فينا الإنسانية، وأصبح ضميرنا جامداً لا ينطق كحجر. فكم قتيلاً تحصد هذه الأرض؟ وكم جريحاً تئن أوجاعه بخذلان؟ وكم امرأة ثكلت بأولادها الذين لم يبلغوا الحلم بعد؟
الأرواح الملائكية التي ترتفع إلى السماء في كل دقيقة دون سبب أو مبرر في كل بقاع الأرض، صارت لا تختصر مناطق معينة، بل باتت اليوم تتجاوز كل الحدود من مصر إلى الشام إلى باريس إلى تركيا، والقائمة تطول وتزداد يوميا، بلا توقف، بلا رادع حقيقي، وسؤالي: إلى متى؟
إن المشكلة بالفعل ليست في توافر رؤوس الأموال الضخمة التي تمول كل هذه العمليات الإرهابية التي يسميها بعض الأشخاص عمليات استشهادية فحسب، بل في العقول التي تدير وسائل الإعلام اليوم التي تبث من خلال أدواتها سموم الطائفية وتثير كل الخطابات النتنة وتروج إلى مفاهيم تخلو من الرحمة والتسامح الفكري التي يقودها كبار فقهاء الدين، وكما يؤمنون أن لا طريق إلى الجنة إلا عن طريق…!
إن الدين الذي يعتقدون به هؤلاء ليس دين محمد ولا عيسى ولا موسى، إنما هو دين صنعته أجنداتهم وعقولهم المظلمة وقلوبهم المغلقة، التي تفتقر إلى العلم والحياة الطبيعية وهي حق كل إنسان. فعندما يجهل الإنسان قيمته الوجودية والسر الإلهي العظيم الذي خلق من أجله وأهمية التنوع الكوني، من الطبيعي جدا أنه سيتجه إلى طريق دامس جدا، وستكون حياته مملوءة بالملل وقاسية عليه، وبلا ريب خالية من الإبداع والإنجاز والسعادة.
الطريق إلى الجنة ليس بالعمليات الانتحارية، فالرب الذي خلقنا في كوكب واحد وجمعنا في مناطق متعددة، كان أعلم بأن اختلافنا رحمة لا نقمة، فلماذا نحن لا نكون رحماء على بعضنا، ونحن من بعضنا؟، فكلنا من آدم، وآدم من تراب.

http://www.alsharq.net.sa/2017/04/14/1669445

اللغة الفاتنة.. الموسيقى

قياسي

ألق وجاذبية وسحر خافت وضياء لامع وتراتيل تصاغ من جلابيب القلب، حينها يلتقي الذهن بالروح في أروع صورة على الإطلاق وأكثرها عفوية ومحبة وصفاء، ليتراقص الوجدان على أحلى نغم في عالم لا يشبه أي عالم، في عالم هادئ مملوء بالسلام والحياة والحس النقي، عالم فاتن جدا، إنه عالم الموسيقى.
تعود كلمة الموسيقى (Musicc) في الأصل إلى الإغريقيين؛ وتعني فن مألفة الأصوات والسكوت عبر فترة زمنية، وهي فن سمعي وبصري وجمالي. توصف خصائص الصوت الموسيقى أنها هي طبقة الصوت التي تشمل اللحن وتجانس الإيقاع (بما فيه الميزان)، والجودة الصوتية لكل من جرس النغمة (timbree)، والزخرفة (articulation)، والحيوية (dynamics)، والعذوبة (texture). وقد كانت كلمة الموسيقى تطلق على كامل الفنون والمعارف إلّا أنّها اتّخذت هذا المعنى المتخصص بعد ذلك.
وتختلف الموسيقى من جنس إلى آخر ويعود السبب إلى اختلاف الآلة المستخدمة في ذلك، التي تصنف إلى الآلات العضوية مثل (صوت الإنسان والتصفيق)، والآلات النفخ مثل (الناي، الصفارة) وكذلك الآلات الوترية مثل(العود والقيثارة و الكمان)، بالإضافة إلى الإلكترونية مثل (الأورغ). ويتفاوت أداء الأشخاص الموسيقي بين موسيقى منظمة بشدة في أحيان، إلى موسيقى حرة غير مقيدة بأنظمة في أحيان أخرى. والموسيقى اليوم لا تتضمن العزف فقط بل أيضا القرع في الطبول وموسيقى الهرمونيكا والباليه. عرفت الموسيقى منذ الأزمنة القديمة في عدة استخدامات في الحزن والفرح والحرب والسلم والمناسبات الدينية كنوع من الطقوس الأساسية في الكنائس على سبيل المثال في أوروبا، كما تعتبر من الفنون البشرية التي هي أصل عديد من الحضارات، وقد ذكرت الدراسات أن الإنسان قد قام باكتشاف كيفية صنع الناي بحلول عام 100000 قبل الميلاد ، كما قد تم تسجيل أول آلة موسيقية عام 2500 ق.م، ومع حلول القرن الثامن قبل الميلاد بدأت الموسيقى في الانتشار والتطور لاسيما الغناء المنفرد في روما.
أما بالنسبة لتاريخ الموسيقى عند العرب، فقد تطورت بعد دخول الإسلام وقد شكلت أنشودة«طلع البدر علينا» نقلة نوعية في الحجاز، وقد اشتهرت الشاعرة ولادة بنت المستكفي بأهازيجها وكذلك الشاعر صفي الدين الحلي بقصائده التي أخذت منحى خاصا في هذا المجال، وقد أحصى المستشرق والعالم الموسيقي الإيرلندي هنري جورج فارمر H.G.Farmer في كتابه (مصادر الموسيقى العربية) الكتب التي عُنيت كلياً أو جزئياً بالموسيقى العربية، حتى القرن السابع الميلادي، فبلغت ما يربو على 350 مخطوطة. إلى ذلك، فقد عُثر في مدينة أوغاريت الأثرية شمالي مدينة اللاذقية في سوريا على رُقُم موسيقية غنائية تعود إلى 1400 عام قبل الميلاد، وتعدّ أقدم مدونة موسيقية في العالم. كما عُثر فيها على قيثارة سومرية تعود إلى 2500 سنة قبل الميلاد وهذا ما يدل على وجود حضارة موسيقية فنية منذ عصور غابرة في سوريا العربية. وقد قام الفارابي بتأليف كتاب الموسيقى الكبير الذي تضمن الأسس والقواعد الموسيقية التي يسير على نهجها الموسيقيون العرب حتى يومنا هذا. وتعتبر المقامات الموسيقية هي الأساس اللحني والنغمي للموسيقى العربية وهي تتميز بالطبقات الصوتية أو أدوات العزف ولا تتضمن الإيقاع وكان أول ظهور للموشحات في الأندلس التي كانت متصلة بالنغم والإيقاع وقد تطورت الموسيقى في البيئة الأندلسية من خلال ظهور موسيقيين متميزين مثل زرياب الذي أضاف الوتر الخامس للعود. ويرى الباحثون في المجال الطبي أن الموسيقى أحد العلاجات النفسية الناجحة، فبمجرد أن يتلقى الدماغ شحنة من الذبذبات الموسيقية، فإنه ينتج عنه زيادة في إنتاج هرمون الأندروفين الذي يمنح شعور الاسترخاء والسعادة والقضاء على الألم النفسي أو الجسدي. يحيط اليوم جهل كبير بالموسيقى والموسيقيين، على الرغم من بيان أهميتها، وأستغرب كثيرا ممن يقلل ويسخط من دورها وينعتها بالهراء، فهي اللغة التي تخترق الحواجز والأذهان وتخاطب كل الأمم دون أي تكلف فلا تحتاج إلى ترجمة أو تفسير، هي لغة الشجر وصوت الأرض، ورنيم الملائكة، وكما قال جبران أعطني النايَ وغـَنّي، فالغِناء سِـرُّ الوجودْ.

http://www.alsharq.net.sa/2017/03/11/1657381

قراءة في كتاب(11)

قياسي

17458266_10155225229309198_1575790163201512118_n

أي الطرق توصلك إلى الجنة؟ لا طريق إلى الجنة،هي المرة الثانية التي أقع في شباك هذا الروائي.العنوان كان بمثابة فخ وضعه الكاتب، وهو ما يمتاز به حقا، فيجعلك تسبح في مخيلتك وتفكر بما تحمله هذه السطور وما تعني هذه الكلمات.
.. تدور أحداث الرواية حول رجل دين ورث هذه العمامة عن أجداده كرها لا حبا، وذلك حتى لا ينقطع الإرث التاريخي لعائلته العريقة التي تنحدر من نسل السادة الأطهار والتي عرفت في جنوب لبنان.يبدأ الروائي حكايته من الضيعة والتي تكون مكان ولادته وإقامته، حيث يمر البطل بعدة تغيرات تأثر في حياته مما تجعله يتجه إلى نزع العمامة بعدما كانت إرثه الوحيد الذي تبقى من عائلته. ..
بعدما يبهرك العنوان،وأنت تقرأ الرواية تجد نفسك محاصرا بأسئلة من كل حدب وصوب على الرغم من بساطة الأسلوب وسهولة المفردات، وهذا ما يريده الكاتب، حتى يجعلك تفهم المعنى الحقيقي وجواب أحجيته الروائية والتي تلخصت هذه المرة أن تكون مثلما تريده أنت لا مثلما يريده الآخرون.
..
تقييمي للكتاب 4 من 5 نجوم ..
# إشادة حصل الكتاب على جائزة نجيب محفوظ للأدب عام 20155.

 

النخبة وما أدراك ما النخبة..!

قياسي

يعول المجتمع على أن للنخبة دوراً في تكوين سوسيولوجيا الأفكار والآراء وتبادلها بالإضافة إلى تصدير الرأي العام للمجتمعات الأخرى، ناهيك أنه لا يستطيع أي باحث دراسة مجتمع ما دون الرجوع إلى ملامح الحركة التاريخية للنخب سواء كانت سياسية أو ثقافية، فهي تشكل ملمحا جوهريا في معرفة مفهوم الواقع الاجتماعي لأي زمان ومكان وتحت أي ظرف، خصوصا في الأزمات السياسية والنكبات والحروب. ولكن من هم النخبة اليوم؟ وما هو دورهم؟
جاء في لسان العرب لابن منظور، أن كلمة نخبة مصدرها الفعل انتخب وانتخب الشيء، أي اختاره، والنخبة ما اختاره منه، ونخبـة القـوم، ونخبتهم خيارهم، ويقال: نخبة القوم (بضم النون وفتح الخاء) وإذا قيل جاء في نخب أصحابه، أي خيارهم، وقد أشار معجم المصطلحات السياسية والدولية، إلى أن (Elite) يقابلها بالعربية الصفوة، أي: عُلية القوم، وهم أقلية ذات نفوذ تحكم الأغلبيةً، وتلعب هذه الصفوة دورا قياديا، وسياسيا لإدارة جماعاتهم من خلال الاعتراف التلقائي بهم بصفتهم.
كما يرى كثير من الباحثين أن استخدام كلمة النُّخبة Elitee حديث نسبيا في اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وبالرجوع لها تاريخيا فإنها استخدمت لأول مرة في القرن السابع عشر- كما يورد بوتمور في كتابه الصفوة والمجتمع. ومن ثم استخدمت في عام 1823 لوصف النُّخب الاجتماعية وأوضاع الحياة الطبقية في أوروبا بصورة عامة، ومن ثم شاع استخدامها بين صفوف المفكرين والباحثين في نهاية القرن التاسع عشر ليعبر عن الفئات الاجتماعية الأكثر تميزا في المجتمع تلك التي تحتل مكانا مميزا في الهرم الاجتماعي لاسيما في المجالات السياسية والعسكرية والثقافية.
إضافة إلى ذلك، فإن استخدام هذه الكلمة ارتبط كثيرا بالسلطة الدينية من رجال دين وكهنة، وشكل هذا تفويض المجتمع ووضع قراراته في يدها آنذاك، مما جعل هذه النخب تتجه إلى فرض هيمنتها وأفكارها والتعاون مع الأنظمة القمعية الحاكمة باسم الدين وذلك من أجل خدمة المصالح السياسية البحتة، فتم تقديس الحاكم على أنه الرب الأكبر كما حدث في عصر الفراعنة وحكام العصور الوسطى الأوروبية، وهذا ما يعكس العلاقة الطردية بين الدين والسياسة في أي مجتمع.
يعد المفكر الفرنسي سان سيمون من أبرز من وضع الخطوط الأولى لمفهوم النخبة، إذ إنه يرى أنه من الضروري وجود هذه الفئة في المجتمع التي يقع على عاتقها دور كبير في تغيير وتطوير مسار المجتمعات نحو الأفضلية، وبلا شك أنه لا تسند هذه المهام إلا إلى العلماء والفنانين والمخترعين من حملة المؤهلات العلمية والفكرية، وأصحاب العقول النيرة، وهذا ما يؤكد تصدر العلم على الانتماءات العرقية أو الطائفية والطبقية، وفي مقالة نشرها عام 1819 يقول فيها «إن فرنسا لن تعاني من فقدان ملوكها ونبلائها وكل أنواع سياسييها، ولكنها ستصاب بكارثة عمياء إذا ما فقدت علماءها وصناعييها وأفضل حرفييها، فالنُّخب كما يراها تشكل روح الأمة وقوتها الخفية. يقول سيمون في وصفه لحالة فقدان النخب «لنفترض أن فرنسا فقدت بصورة مفاجئة أهم خمسين من الكيميائيين والأطباء والعلماء والشعراء والرسامين والمهندسين والجراحين والصيادلة، الذين يعدون مع غيرهم من الحرفيين والمهنيين الأكثر إنتاجا، فإن الأمة ستصبح جسدا لا روح فيه، وستحتاج فرنسا إلي جيل كامل لتعويض هذه الخسارة الهائلة».
عالج علماء الاجتماع مفهوم النخبة في ثلاثة اتجاهات، أولها الاتجاه السيكولوجي حيث يرى فلفريدو باريتو أن المجتمع ينقسم إلى قسمين هما: النُّخبة التي تحكم، والمحكومون الذين يخضعون لهيمنة النُّخبة هذه التي تشكل الأقلية المتميزة والمتفوقة في المجتمع في مختلف تشكيلاته الاجتماعية، أما الاتجاه الثاني فهو الاتجاه التنظيمي كما يعتمده غيتانو موسكا أنه القدرة على التنظيم في داخل النُّخبة ومرونة التفاعل بين أفرادها مما يجعل النُّخبة قادرة على امتلاك زمام الأمور والسيطرة على مختلف جوانب الحياة في المجتمع.
أما الاتجاه الثالث فهو الاتجاه الاجتماعي الاقتصادي الذي يركز فيه ميلز على مفهوم «نخبة القوة» التي تعني الطبقة التي تستحوذ على معظم ثروات المجتمع أي بصورة خاصة كبار التجار وأصحاب الأملاك والعقارات، إذ إن هذه النخب بفضل هيمنتها الاقتصادية تستطيع أن تتحرك من مركز قوة إلى آخر.
يعتبر هذا الحديث موضع دراسة وبحث مستمر، لاسيما في ظل انتشار المعلومة، حيث إنني أؤمن أن المثقف وهو جزء من النخبة، هو ذاك الشخص الذي يمتلك الأسلوب والسلوك الراقي في تقبل الآخرين خصوصا من يختلف معهم، لأنه بطبيعة الحال هو نتيجة هذا المجتمع الذي تكون منه ونشأ بين يديه وخرج باسمه، ولكن يبقى سؤالي لماذا يجتاح كثيرا أنفة الغرور من مجتمعه بمجرد حصوله على لقب تخصصي، أليس هو جزءا منه؟!

http://www.alsharq.net.sa/2017/02/11/1646410

قراءة في كتاب(10)

قياسي

 

16299233_10155063323899198_2414964176761822799_n

 

كلما قلبت صفحة بين دفتي هذا الكتاب وجدت نفسي فيه، ابتداءا من رائحة الورد المحمدي إلى اللوز انتهاءا بالبحر.
عيسى الذي حكى سيرة أجدادي وأهلي وكل من زرعت قلوبهم بين أشجار النخيل، فكانت دافئة على أهلها مخلصة لأرضها، جيلا بعد جيل.كلما توغل عيسى في الحظرة، بان لي وجه جدي وأعمامي، وأحاديث عن لسان أمي ونسوة الحي اللاتي لا يتوقفن عن سرد صولات البحر التي لا تنتهي على يد رجال سمر طبعت على جبينهم خرائط المحيطات والأرض والحياة.
حاصرتني رائحة الخصوبة والنعناع، ونقاء العيون، في كل صباح، بصوت البلبول الذي لا يكتفي عند موسم أو وقت محدد.
لا أستطيع أن أقول أني لم أعشق البحر أكثر، بل زدت إيمانا أني ابنة البحر و وريثة هذه الأرض بلا ريب..

..
تحية خاصة إلى من يجعل الحرف شعرا وموسيقى وألق..
حسين المحروس ، ، امتنان خاص