الرواية العربية… بارقة أمل تلوح في الأفق

قياسي

منذ صغري إلى هذه اللحظة، تشدني زيارة المكتبات والتعرف على أحدث الإصدرات الروائية في العالم، حيث إنني أفضلها على الدوام، مهما كان حجمها وحبكتها وأسلوبها، لاسيما إذا كان الأمر يتعلق بروائي ترك بصمة ذات أثر كبير في كياني، كيف لا وهي أداة معرفة بالنسبة لي في أغوار هذه الحياة المعقدة.
على الرغم من تأخر ظهور الرواية العربية إلا أنني أرجحها على الروايات المترجمة، ولو رجعنا إلى التاريخ، فسنجد أن الشعر تفوق عليها عند العرب، كيف لا وهو احدى عاداتهم، وهو أحد أسباب تأخر ولادتها، فأول ظهور لها كان في العام 1867م، حيث تضمنت على الكثير من الأساليب البلاغية بطريقة غير متجانسة بالإضافة إلى المعلومات غير الصحيحة والخيالية.
وتعتبر روايات جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة أنها أولى الروايات التي أحدثت تطورا ملموسا في تاريخ الرواية العربية، لما احتوت من مضامين إنسانية وتاريخية وثقافية.
إلى ذلك، فإنه في العام 1914 حصل للرواية نقلة نوعية مهمة على يد الكاتب محمد حسين هيكل عن روايته «زينب»، لتوفر العناصر الفنية الأساسية الروائية وفقا للمدرسة الغربية فيها. ويصعب أن نتجاهل بقية الرواد ومنهم طه حسين ونجيب محفوظ الذي يعد أمير الرواية العربية كما لُقب.
يسلط الكاتب عبدالرحمن منيف في كتابه «الكاتب والمنفى» الضوء على موضوع الرواية العربية وعلاقتها بالمتغيرات والظروف السياسية والاجتماعية التي مرت بها المنطقة العربية وبالأخص الخليجية، حيث يورد ثغرات يلحظها في كتابة الرواية وبنائها السردي. أولها كتابة الحوارات الداخلية في لب النص، اذ انه يُشكل كتابته باللغة الفصيحة أو بالعامية إجمالا، و يرى أن يتم المزج بينهما،ليفهم القارئ الحوار بالشكل المطلوب.
يذكرني كلام منيف بحوار مفتوح حضرته العام الماضي للكاتب والمترجم ناصر الظفيري، فقد كان حديثه يدور حول نفس الإشكالية في الحوارالداخلي للنص،خصوصا أنه عندما يقوم بعملية ترجمة النصوص غير العربية، فإنه يقع في المشكلة ذاتها، والصعوبة تبدأ في المفردات العامية وترجمتها بحرفية عالية إلى لغة أخرى ترقى للمستوى المناسب.
وبالرجوع إلى منيف، فإنه يتحدث عن ثغرة أخرى في الرواية، وهي أن يتغير المفهوم التقليدي لشخصية البطل داخل الحبكة الروائية والتي تقتصر دوما أن يكون البطل ملكا أو حكيما، بل يجب أن يتخلص الروائي من هذا التفكير،و أن تتوزع الأدوار بشكل صحيح وحتى إن كانت شخصية ثانوية. ما يعيه أن يكون الروائي المعاصر ملتصقا بهموم الناس ومشاكلهم وكل ما يدور في حياتهم.
ويضيف أيضا أن من المظاهر اللافتة في الرواية العربية وجود مقدار هائل من الزخرفة اللغوية، بمعنى وجود زخم كبير من الألفاظ والمفردات الصعبة التي لا تتناسب مع بيئة النص بل تزيده تعقيدا وغموضا، كذلك يكثر تواجد كلمات وجمل أقرب إلى الشعرية وهذا ما يحول على القارئ فهمها ولا يمد بصلة بالبنية الروائية التي تختلف اختلافا كلياً عن البنية الشعرية، فاللغة الأدبية لا تعتبر رصينة بسردها من القاموس اللغوي بقدر رصانة أسلوب كاتبها.
أنا اليوم تفرحني حقا عندما تتصدر الإنتاجات الأدبية الواعية صالات المعارض الثقافية وتزدان لو كانت شابة، ولكني أقول اننا نحتاج المزيد من المساحة، لتخلد الرواية العربية عنوانا للأمل والسلام والحب على امتداد الزمن.

* كاتبة بحرينية

https://www.alraimedia.com/Home/Details?id=416d3a9a-45da-469d-b47e-3a548c18f68b

Advertisements

قراءة في كتاب(13)

قياسي

36046200_10156538341454198_7543059033976995840_n

 

مالك بن نبي،ذلك المفكر الجزائري الذي جذبتني اقتباساته للتعرف عليه عن كثب،فما أن تقترب حتى تكتشف مجتمعك وماهيته.
..
يبدأ هذا المفكر فصوله الأولى بالتعريف بمعنى المجتمع لغة واصطلاحا بالإضافة إلى التصنيفات الأساسية لكل أنواع المجتمعات وأصل نشأتها وتطورها عبر التاريخ والظروف التي تعرضت لها،ثم يتكلم حول عوامل صناعة التاريخ التي تندرج تحت أربع بنود أساسية هي عالم الأشخاص والأفكار والأشياء والشبكات الاجتماعية؛فهو يؤكد أن الشخص ليس فقط مجرد فرد وإنما هو ذلك الكائن المعقد الذي ينتج حضارة وهو نتاج لها أيضا.
..
كما يسلط الضوء على غنى المجتمع بترابطه بين أفراده،التي تساهم عبر خلق التطور والانفتاح عن طريق تداول الأفكار النيرة،على عكس العلاقات اذا أصابها التضخم فيصبح بعدها العمل الاجتماعي مستحيلا لأنه النقاش يحتد للعثور على أدلة لا ؛لإيجاد حلول ما يعني الابتعاد عن الأنا قدر المستطاع وهذا ما يتداول في الآونة الأخيرة في مجتمعنا ،كذلك يردد أن أصل كل العلاقات الاجتماعية في المجتمعات هي ثقافية في أساسها.
..
هذا الكتاب القيم الذي لا أستطيع أن أسرد بقية ما يحمل لما يزخر من معلومات ودراسات مجتمعية ممنهجة بطريقة حضارية واعية،لا أملك سوى أن أقول أقرأ لهذا المفكر وتعمق في سطوره حتى تجد نفسك في المجتمع ..
..
الجزائر…شكرا لأنك أنجبت للعالم هذا المفكر الراقي 

محطات الانتظار

قياسي

من يقرأ هذا العنوان تأخذه أفكاره للوهلة الأولى بلا شك إلى الحافلات المزدحمة وصالات السفر، حيث تكتسي بالأحاديث والسير التي تعلو وتنخفض على موجات متعددة وأنغام متضاربة، وهدوء لا يلبث أن يبدأ حتى لاينتهي ولا يكل.
هذه المحطات المادية التي تحيطنا في الحل والترحال بألوانها وتشعب طرقها وتفاصيلها الملونة، تحمل لنا الكثير بطبيعة الحال، فيظل كثير منها في مستودع القلب راسخة،بل محفورة في ذواتنا بصور متعاقبة متصلة بالمواقف والسلوكيات بصورة عميقة.
فنحن ما أن نستقل وسيلة من هذه الوسائل حتى تدهشنا المواقف وتصطف أمامنا القصص، فنضحك على بعضها ونتعاطف مع أغلبها ونبحر في أعماق أغلبها، لنتفكر ونتمعن لماذا حدث ذلك وكيف ؟ وأسئلة غير منتهية تصيبنا بالغباء أحيانا وبالجنون دائما.
أتذكر باستمرارعندما ركبت حافلة الجامعة للمرةالأولى، قبل عدة سنوات من الآن فحملت اسم طالبة جامعية في السنة الأولى، أتذكر حينها كيف كان مخي مشوش الرؤى، وشكلي طفوليا جدا، وتساؤلاتي متدفقة بين فنية وأخرى،فبدا الأمر لي بعدها، أنها وجهتي الأولى نحو عالم جديد ورحلة مضنية مليئة بالتحدي والغموض، فالمغامرات التي رسمتها على زجاج نافذة الحافلة في ذلك اليوم، أكدت لي أن الأمور بالنسبة لي ليست باليسيرة، بل إنها حقا خطوة عن ألف خطوة.
هذه الخطوة التي خطوتها في كليتي،سارت بي في درب مليء بالبحث الدؤوب عن أجوبة ابن خلدون ونظريات ابن سينا وغيرهما على رصيف العمر الذي ابتدأ من المقعد الأول الذي جعلته خليلي عند اشتداد مواسم القحط الجامعي بالنسبة لي، ذلك المقعد الذي دون فصولا من المعاناة وسطورا من الأمل وأحاديث من الراحة.
تلك الأمتعة التي تركتها ورائي، بل نحن جميعنا من نتركها في كل مكان وزمان نقضيه في بقعة نعيش فيها لحظة من الزمن أو ربما حقبة من العمر، بكل أحداثها التي تربكنا وتعيد اعمارنا من جديد بحيثيات لا يمكن أن تخطر على بالنا أو نتصور أن تحدث لنا في يوم من الأيام، حتى اننا عندما نعيد سجل ذاكرتنا للوراء تأخذنا الدهشة ونرجع نعيد التساؤلات على أنفسنا أيعقل أن حدث ذلك؟
كلنا نرسم خطوات ما إن نلج هذا الكون الفسيح، حاملين أمتعة كثيرة وخبايا ثمينة، ولكن تبقى الخطوات متغيرة والمحطات مختلفة والروايات متنوعة، كيف لا وكل فرد فينا غني بفكره لا بشكله أو لونه، وكما قال مالك بن نبي: «لايقاس غنى المجتمع بكمية ما يملك من أشياء بل بمقدار مافيه من أفكار»، فلون محطاتك قبل أن ترحل عنها بحب وعطاء لا يخفى وبألق لا يشابه غيره، لتكون كل محطات انتظارك مضيئة مشعة وحتى وإن تركتها لغيرك.

http://alraimedia.com/Home/Details?id=f5b63b3f-843b-4ff8-b32f-7ef940226d00

محسن الرملي: الصدق… هو شرطي الأول على نفسي أثناء الكتابة

قياسي

للوهلة الأول بمجرد أن تجوب كتابات الشاعر والروائي والمترجم العراقي محسن الرملي وتبحر في أعماقها، تجد الكثير من الألم والحزن الوفير، متدفقة بغزارة تحاكي المأساة العراقية على لسان تقرح لكثرة نحيبه، وعيون جفت لمرارة ما رأت…
في هذا الجو يأخذنا الرملي – بأسلوبه الأدبي – في رحلة مضنية مليئة بالحسرات والندبات بين سطوره ومفرداته، ليفصح عن ما شاهد عاصرها بوعي الكاتب وضمير الإنسان، ويقول: «اللغة معجزة البشرية كلها»، مؤكدا أنه يهتم أولاً بأن يتشبع جيداً بما يريد التعبير عنه، وأنه لا يميز حتى في حياته الشخصية بين الواقع والخيال.
ويرى أنه كتب «الفتيت المبعثر» وهو مُفتَّت مُبعثَر فعلاً، هارب من عذابات العراق، بدأها في الأردن وأنهاها في إسبانيا، كاشفا عن أن الأدب الإسباني من الآداب العظيمة التي قدمت للإنسانية الكثير نثراً وشعراً. وقال: «شهدت مثلما شهد الجميع على ما فعله الديكتاتور في مبدعي ومثقفي وعلماء العراق، وفقدت أخي والعديد من أصدقائي في مطحنته الدامية».
وباح الرملي، بأن القارئ الغربي جاهل كبير بالأدب العربي… ويفسر جزءاً من الإقبال الكبير اليوم على الرواية بأنه نوع من البحث عن رؤية معينة وفهم ما للذات وللعالم والحياة. ومن ثم فإن الرملي كشف الكثير من الرؤى التي نتعرف عليها خلال هذا الحوار:

• يقال إن اللغة أعجوبة، تقع في يد سطان مبدع، فمتى تصير اللغة خارج الكلمات وتصبح لغة الروح؟
– بالفعل، اللغة معجزة البشرية كلها، لذا يستحيل على أحد بمفرده أن يقبض عليها، وما يفعله المبدع ليس سوى محاولة للتدرب على صيد شيء منها، شيء من هذا الشيء الذي يعشقه ويسحره، ولكنه كأي عاشق حقيقي، يموت وفي نفسه شيء من معشوقه، أما اللغة التي خارج الكلمات فهي أكبر من لغة الكلمات ذاتها، لذا تتعاون كل الفنون في محاولة قول ما يصعب قوله بالكلمات. وفي ما يتعلق بالكتابة… يبقى ما بين السطور وما خلفها وما هو خلف الكلمات جزءا مهما وربما الأهم عما أرادت قوله الكلمات، وفيها تكمن الروح التي نشعر بها ولا نراها.
•… ويقال أيضا: المبدع المجبول ليس بحاجة إلى أن يتأثر بأحد وحتى وإن جال العالم جولا حتى يكتب… فكيف ذلك؟
– ما من أحد لا يتأثر بأحد، فكما يقال «الأسد هو مجموعة الخراف التي هضمها»، إلا أننا لا نستطيع في أغلب الأحيان تحديد مواضع هذا التأثر، ولا المبدع نفسه بقادر على ذلك، ففي نهاية الأمر، كل شخص ينظر بعينيه الخاصتين إلى العالم نفسه، ولا أحد يرى العالم بعيني شخص آخر، إلا أن الآخر سيعينه على رؤية العالم بشكل أفضل، وكل مبدع يقوم في أعماله بتمرير رؤيته للعالم من خلال ذاته… رؤيته هو للعالم.
• كيف توظف أدواتك السردية في نقل إحساسك الداخلي؟
– باتباع القاعدة المعروفة، وهي أن المحتوى يفرض الشكل الذي يناسبه، لذا فأنا أهتم أولاً بأن أتشبع جيداً بما أريد التعبير عنه… أتقمصه، بل وأعيشه بكل ما أستطيع من حس وشعور ثم أستحضر كل أدواتي لوصف… أعتقد بأن المتلقي سيشعر بما يشعر به الكاتب أثناء الكتابة إذا كان الكاتب صادقاً، وقد أبلغني الكثير من القراء عن مشاهد في أعمالي أبكتهم أو أضحكتهم أو لم يفهموها أو شعروا بالملل معها… وهو بالضبط ما شعرت به أنا أيضاً أثناء كتابة تلك المشاهد، بكوا مع المشاهد التي بكيت عند كتابتي لها، وضحكوا مع المشاهد التي ضحكت عند كتابتي لها… وهكذا.
• ما سبب إصرارك على مواجهة القارئ بقصص حقيقية واقعية، وإبعاده عن القصص الخيالية، مع أنك تملك المخيلة والأسلوب المناسب في توظيف قصة جديدة بأسلوب آخر؟
– إصراري الرئيسي أو شرطي الأول على نفسي أثناء الكتابة، هو الصدق… أي أن أشعر صدقاً بالذي أعبر عنه، بغض النظر عن واقعيته من عدمها، فإنا ومنذ زمن طويل أكاد لا أميز حتى في حياتي الشخصية بين الواقع والخيال، فأشعر أحياناً بأنني أعيش في عالم أدبي أو روائي وأن العالم وأحداثه من حولي ما هو إلا أدب، فيما أشعر بالكثير من الروايات الخيالية والقصائد بأنها واقعية وأتعامل معها على هذا الأساس، ومثال ذلك أن شخصية دون كيخوته في رواية ثربانتس اعتبرها واقعية وحقيقية وموجودة أكثر حقيقة ووجوداً من أناس أتعامل معهم في الواقع.
• «الفتيت المبعثر» إحدى روايتك التي تتحدث عن تفرق شمل العائلة العراقية، لتداعيات سياسية، كيف عشت طقوس كتابتها بكل تفاصيل الوجع فيها والثقل الذي تحمله؟
– كتبتها وأنا مُفتَّت مُبعثَر فعلاً، هارب من عذابات العراق، بدأتها في الأردن وأنهيتها في إسبانيا، فعلى الرغم من قصرها إلا أنها أكثر رواياتي التي أتعبتني في كتابتها، لأنني كنت أريد التعبير عن أشياء كثيرة جداً، وكنت قلقاً، خائفاً وحزيناً… أنتقل من حال إلى حال ومن مكان إلى مكان عند كتابة كل مقطع… كنت وكأنني أهرب من مشهد إحدى قريبات أمي وهي تجلس في مقبرة قريتي بين قبور أبنائها الأربعة الذين فقدتهم في الحرب العراقية الإيرانية، وكنت أراها في صباح كل خميس هناك، تنتحب بمرارة قاتلة عليهم أحياناً، وأخرى تحدثهم عن أخبار صغارهم وتضحك كمجنونة… كنت أشعر بعذابها وأتعذب… أشعر بتفتت قلبها فيتفتت قلبي.
• كيف تجد الأدب الإسباني في تلون أشكال الكتابة الأدبية فيه، مقارنة بالأدب العربي؟
– الأدب الأسباني من الآداب العظيمة التي قدمت للإنسانية الكثير نثراً وشعراً، والتي استطاعت التعبير بشكل شامل وممتاز عن المجتمع الاسباني بشتى مراحله، ولعب دوراً مهماً في صياغة ثقافة وذهنية الناس، كما ساهم بتطوير وإثراء الأدب العالمي، أما الأدب العربي على الرغم من إرثه العظيم إلا أنه لايزال مقصراً أو أنه لم يحظَ بالفرصة التي تليق به للقيام بهذه الأدوار على الوجه الأكمل، وأقصد منها التأثير في ثقافة الناس، التعبير بشكل شامل عن المراحل التي مرت بها الشعوب العربية والمساهمة الفاعلة في الآداب العالمية المعاصرة كما سبق وأن ساهمت فيه «ألف ليلة وليلة» و«حي بن يقظان» و«طوق الحمامة» و«رسالة الغفران»… غيرها في القرون السابقة… عانى الأدب العربي الكثير من القمع والظلم منذ الاحتلال العثماني… ولكنني أعتقد بأنه يشهد الآن استعادة لنفسه وحريته وهو في طور آخذ مكانته التي تليق به.
• يقول الشاعر التركي ناظم حكمت «الدولة تخاف من الشعر»، ما مدى صحة هذه العبارة بالنسبة إليك وهل تمثل واقعا معاشا؟
– الأدق، ليس الدولة بمفهوم الدولة الصحيح، وإنما هو أن السياسي المتسلط، الديكتاتور يخاف من الثقافة والمثقفين، لأنه يريد شعباً جاهلاً يتحكم به على هواه من دون أن تنغص عليه تسلطه نصوص وفنون المبدعين، لذا نرى المستبدين عبر التاريخ يعملون على أمرين في تعاملهم مع المبدعين، إما تجييرهم لصالحه أو إخراسهم بالقتل أو السجن أو المنع أو النفي… وبالنسبة لي، نعم شهدت مثلما شهد الجميع على ما فعله الديكتاتور في مبدعي ومثقفي وعلماء العراق، وفقدت أخي والعديد من أصدقائي في مطحنته الدامية.
• كونك مترجما وشاعرا وكاتبا، عندما تكتب أين تجد نفسك، بين قوافي الشعر أم نغم الحرف الروائي أم في بحر الترجمة الوافر؟ ولماذا؟
– لا أدري حقاً إن كنت «أجد» أم «أضيّع» نفسي، ولكن الذي أعرفه هو أنني أمضيت كل حياتي في القراءة والكتابة… ولم أشعر بشيء أقرب إلى نفسي منهما، وأكثر شيء فعلته ومازلت وسأبقى هو القراءة… أما على صعيد التصنيف الكتابي فأنا أعتبر نفسي كاتباً بشكل عام، بغض النظر عن الجنس الكتابي الذي أدونه، مع ذلك يمكنني القول بأنني أشعر مع الرواية بمساحة أكبر في التعبير، فيما أعتقد بأن الشعر هو روح الأدب، وأنا مستهلك كبير ومدمن على قراءة الشعر، بحيث لا يمر أي يوم من دون أن أقرأ فيه ولو قصيدة واحدة، أما الترجمة فللأسف لا أجد الوقت الكافي للقيام بها كما أريد، لأن مشروعي الإبداعي الخاص يحظى بالأولوية، وإلا فإنني أتمنى ترجمة الكثير من الكتب التي أعجبتني بالإسبانية.
• كيف وجدت تلقي القارئ الغربي للأعمال العربية المترجمة بشكل عام، ولأعمالك بشكل خاص، وهل تحظى بالاهتمام المنشود؟
– ما زال القارئ الغربي جاهلا كبيرا بالأدب العربي، لأن ما تمت ترجمته حتى الآن يعد قليلاً من الإرث الأدبي العربي الهائل عبر القرون، لذا لم يشكل الأدب العربي المترجم ظاهرة حتى الآن، ومع ذلك فثمة أمل بأنه قادم ، والقارئ الغربي يرغب بمعرفة المزيد منه وعنه، وبشكل عام فإن أغلب الأعمال المترجمة تحظى بالقبول والاحترام لأنها أصلاً منتقاة بعناية من قبل الناشر الغربي العارف بذائقة زبائنه، أما عن أعمالي فهي جزء قليل من هذا الجزء القليل الذي تمت ترجمته، وبالنسبة لي اعتبر أن ما حظيت به من تلقي ونقد واهتمام حتى الآن هو جيد ومُرضٍ.
• في تصورك، ما مدى مسؤولية الأديب تجاه المضامين الفكرية التي تطرح في الساحة الثقافية اليوم؟
– ما أراه هو قلة المضامين الفكرية… بل شحتها اليوم، حيث يمر عالمنا بأزمة فكرية وفلسفية أصلاً، كما لم تعد الإيديولوجيات الحقيقية موجودة ولا فاعلة، لذا أفسر جزءاً من هذا الإقبال الكبير اليوم على الرواية بأنه نوع من البحث عن رؤية معينة وفهم ما للذات وللعالم والحياة، ومن هنا أرى بأن على الأديب ألا يكتفي بتقديم المتعة في أعماله وإنما فليضمنها بقدر معين من المعرفة، شخصياً أرى في ذلك جزءاً من مسؤولية الأديب وإن كان الغالبية من زملائي لا يتفقون معي في ذلك.
• من وجهة نظرك، كيف تجد توالد ظاهرة «المثقف الأمي» بين أوساط المثقفين في الشرق والغرب؟ وهل تسود كفة على أخرى؟
– هذا أمر عادي وطبيعي، وكان وسيظل موجوداً في كل المراحل والأزمنة وفي مختلف الثقافات، وبالطبع سيكون الزمن كفيلاً بغربلة ما هو أصلح أو أجمل أو أنفع للناس.
• بين نخيل البصرة وماء دجلة، وبقايا القصور الأندلسية والسمرة الخمرية الإسبانية، أين يجد الرملي نفسه الآن بعد انشطار الهويات وضياعها في الظروف الراهنة؟
– هذا الذي تصفينه، هو ما كنت عليه فعلاً، قبل أكثر من عقد من السنين، وظهر في أعمالي التي كتبتها آنذاك، مثل كتابي القصصي «أوراق بعيدة عن دجلة»، أما الآن فلم تعد مسألة الانشطار أو تعدد الهويات موجعة لي كما كانت في السابق، لأنني تصالحت معها وتبنيتها وصارت مسألة تعدد الهويات هي هويتي التي أعتز بها وأدعو إليها وأدافع عنها وأربي ابنتي عليها.

ثقافة

https://www.alraimedia.com/Home/Details?id=2a7fc1c5-fbf3-4a14-972b-585759dab8cb

سكنة حسن: لا يوجد أصدق من فنان مهزوز في داخله… يشعر بالنقص

قياسي

تبدو تجربة الفنانة التشكيلية السعودية سكنة حسن متواصلة مع الحياة في سياقها الإنساني الأخاذ، فهي ترسم الواقع من منظوره الجمالي الممزوج برمزية تخفي خلفها الكثير من الأفكار والتطلعات التي تعتمل في نفسها، بغية المساهمة في بناء المجتمع وتأكيد حضوره الإنساني والجمالي.
وأعمال حسن تتألق حلما… بين تناغم الألوان وانسكابها من عمق التجارب وامتزاجها بأنامل ذهبية، بالإضافة إلى انتقالها بين الفن البصري والآخر الرقمي، بإحساس مرهف مليء بالجرأة والواقعية، مخاطبة ذاتها ومن ثم بنات جيلها، وصولا إلى كل نساء مجتمعها برسائل فنية عزفت على وتر الحياة.
سكنة حسن… استطاعت أن تعري كل القضايا من دون تردد بل بإصرار أكبر ودافعية لا يستهان بها. وللتعرف عليها عن قرب أجرينا معها هذا الحوار الذي نورد إليكم نصه:

● ما سبب طغيان العنصرالأنثوي في غالبية لوحاتك؟
– في الظاهر فقط تبدو اللوحات ممتلئة بروح العنصر النسائي، بما يخدم قضية أو قصة العمل، فالمرأة كائن جميل، وله فتنة خاصة، أردت أن أجسدها بواقعيتها، بينما الرجل، أجسده بالطير الذي يمتلك القوة والحرية من خلال أجنحته.
● كون المرأة هي محور لوحاتك، ففي اعتقادك أي الألوان تليق بالمرأة؟
– أعتقد دائما بأن المرأة تستحق اللون الشفاف الذي لا لون له، فالبعض يراه نقاء و البعض الحياة والآخر يرى هذا اللون هو لون جامد وغير مرئي وغامض.
● لماذا تهيمن الفتاة المنقبة على وجد التحديد في أغلب لوحاتك، هل هو انعكاس لواقعك أم ماذا؟
– أشعر عندما أمسك فرشاتي أنني أفرغ كل طاقتي في لوحتي ثم أقوم بإضافة واقعي عليها، هذا ما أثار فضول المتلقين في رغبتهم، لكشف وجه سيداتي، لرؤية مايخفين من ملامح حتى طغت تلك الهوية على معظم لوحاتي وأصبحت جزءا من أسلوبي.
● يقول الشاعر الفرنسي فيكتور هوغو: «لا تكثر الإيضاح فتفسد روعة الفن»، هل يفسر ذلك سبب ابتعادك عن رسم التفاصيل فيما يتعلق بجسد المرأة؟
– جسد المرأة هو معجزة أحب سرد تفاصيلها، ولكنني أتفادى ذلك لأن المجتمع لا يتقبل رؤية تفاصيله.
● تكثرين من استخدام الأشكال والخطوط الهندسية بألوان قوية في قلب كل عمل فني، أهي نظرية فلسفية جديدة أم ماذا؟
– أكثر المقولات صدقاً أنني لا أعلم حين أبدا بتلوين العمل إلى أي مرحلة سأتوقف أو أنتهي عندها، لأنها مرحلة لاوعي، استرسل فيها حتى أشعر بالعجز عن إكمال العمل حينها فقط أقول إنني انتهيت من العمل، فالخطوط والدقة أيضا هي حالة تشعرني بالراحة، لأنها تظهر العمل معقدا مما تعطيه منظرا أكثر ثراء وإرثا.
● يقول الكاتب المشهور جوستاين غاردر «إن الميزة الوحيدة اللازمة لكي يصبح الإنسان فيلسوفاً جيداً هي قدرته على الدهشة»… هل وصلت لهذه المرحلة أثناء العمل على لوحاتك؟
– لم أتمكن يوماً من أن أصل لتلك الدهشة على الرغم من انبهار الكثيرين بأعمالي، مازلت أشعر أنني أمتلك طاقة أكبر وأفضل لإنتاج المزيد من الأعمال وهذا هو سر استمراري على تقديم الأفضل دائما.
● كم يتحمل الفنان عبء الرسالة الحسية لينقلها في رسالة مرئية للمجتمع؟
– نعم نحن نردد دائما أن الفن رسالة ومن واجبنا توضيح قناعاتنا للآخرين، لكن لا يوجد أصدق من فنان مهزوز في داخله يشعر بالنقص على الدوام، مما يجعله يرغب في إيصال كل نقطة للعالم، ومن لا يشعر بكل هذه الحالات لم يصل فعلا إلى جوهر الابتكار ونشوة الفن.
● بالنسبة لك، ما مدى قدرة اللوحة على تبيان الصبغة الإنسانية للفنان؟
– يعتمد على القصة التي تتركب منها اللوحة، فبعض اللوحات تحتوي عنصرا واحدا و هدفا واحدا، عندها تكون مفهومة ولا يحتاج المتلقي إلى أي تحليل، بينما تكون هناك لوحة تحمل الكثير من المضامين، فيحللها كل متلقٍ وفقا لرؤيته الخاصة، وهذا ما يلهم الفنان حين يفسر عمله على غير قصده، مما يشعر الفنان بالمزيد من الحميمية والإنسانية وقربه من الإنسان.
● ماذا تمثل كل لوحة بالنسبة لك، هل هو واقع المرأة السعودية أم قصة جديدة تحكيها بفرشاتك؟
– تثيرني دائما القصص العابرة، مترسخة في ذاكرتي بصورة أكيدة، كما أن هناك الكثير من النساء اللاتي يطلبن مني رسم قصصهن رغم عدم معرفتي بهن من خلال فرشاتي، ما يجعلني مسؤولة عن إيصال أصواتهن وقضاياهن إلى المجتمع.
● هل تجد سكنة نفسها جريئة أم متمردة في طرح الأفكار المجتمعية خصوصا بعد لوحات قيادة السيارة؟
– في كل عمل أقوم به بكل جرأة، وقد أستخدم التمويه في بعض الأحيان، وقد يظهر بشكل غير مرغوب، مثل عمل قيادة المرأة للسيارة الذي رفض من مجتمعي، ولكنه سرعان ما ما تقبله مع مرور الوقت.
● هل يستطيع الفنان أن يتنبأ بخياله الفني المستقبل البعيد؟
– بالطبع بإمكانه… لذلك يعتقد البعض أن الفنان مجنون، كيف لا وهو يرفض أن يستسلم لواقع فرض عليه، فهو يتخيل ما هو أعمق من حاضره، ليصور عالما خارج خارطة المسموح، لذا من يتبع التاريخ يجد أن هناك المئات من الأعمال التي رسمت في زمن ما، أصبحت جزءا من حاضر اليوم.
● الصدأ هو المعدن الذي يتغير بفعل الظروف، ماذا كانت تعني سكنة باختيارها هذا الاسم لمعرضها الثاني «صدأ»؟ وإلى أين ستأخذنا سكنة بعد ذلك؟
– الصدأ… هذه الكلمة التي تجاوزت عقلي، لتتغلغل في روحي، التي سمعتها في إحدى المحاضرات، مما جعلني أوازن الفكرة في أعماقي وأربطها بواقعي، فكانت ما هي إلا لصور نساء قويات كالحديد الصلب ظهرن أمامي، لكنهن يتعرضن للظروف، فتصدأ بعض أجزائهن بسبب ذلك. أما بعد الصدأ فلا أدري أين إلهامه الذي يأخذني؟ فهو يأتي بلا استئذان بل إنه يحتاج للوقت والإنصات الروحي المناسب.

https://www.alraimedia.com/Home/Details?id=256db3a0-058a-41ae-ac13-d94ba824031e

 

«Wonder»… الجمال رغم كل الألم

قياسي

من عالم المستشفيات المزدحم برائحة المطهرات ولفافات القطن والمناديل المعقمة مرورا بسبع وعشرين عملية جراحية في تقاسيم الوجه الطفولي البريء، تبدأ قصة طفل يدعى أوجي. ولد هذا الطفل بتشوهات في عظام الوجه والفكين وصعوبات في السمع والتي تُعرف بمتلازمة تريتشر كولينز، الناتجة عن حدوث طفرة جينية من الأبوين.
ولدت هذه القصة من حادثة أشبه أن تكون يومية في حياتنا،اذ تقول الكاتبة ري بالأسيو إنها بينما كانت واقفة مع ابنها أمام عربة الآيس كريم، تفاجأت بارتفاع نوبة بكاء حادة من طفلها بسبب رؤيته لفتاة من ذوات متلازمة تريتشر كولينز، ما نتج عنه ردة فعل سلبية للفتاة وعائلتها.
هذه الحادثة رسخت في ذاكرة بالأسيو، ما دفعها للكتابة والبحث عن تفاصيل أعمق عن هذا المرض والمصابين في العالم، خصوصا الولايات المتحدة الأميركية، إلى أن أصدرت رواية عنوانها «wonder»، أوجي هو ذاته بطل فيلم «wonder» والذي عرض سينمائيا في نوفمبر2017.وهو بطل قلم بالأسيو نفسه.
تبدأ قصة الفيلم من المدرسة من الصف الخامس تحديدا، اذ تكون هي غمارالتحدي والمنافسة بالنسبة إلى أوجي وأولى محطات دخوله المجتمع واختلاطه مع أقرانه الذين يعتبرون أصحاء مقارنة بشكله غيرالطبيعي من وجهة نظرهم، ما جعله يلبس خوذة رائد الفضاء طوال الوقت تحسبا وتحاشيا إلى نظراتهم الغريبة والعنيفة.
هذه الأحداث شكلت منحنى آخر في حياة أفراد الأسرة، وعلى رأسهم الأم والتي لعبت دورها الممثلة جوليا روبرتس والتي توقفت عن إنهاء أطروحة الماجستير بسبب وضع أوجي الصحي.
يتعرض أوجي إلى العديد من المضايقات، أولها عدم اندماج أقرانه به، فكانوا يرفضون مصافحته، لاعتقادهم بأنه سينقل لهم مرض الطاعون، بالإضافة إلى تصورهم أنه إنسان غبي ولايستطيع التفكيروالاستيعاب، لكنه يفاجئهم بقدراته المذهلة في حل جميع المسائل المتعلقة بمادة العلوم،لاسيما أنه كان مهووسا بفكرة أن يصبح رائد فضاء يجوب القمر وبقية المجموعة الشمسية، هذا ما أدى إلى ازدياد حالات التنمر اتجاهه والتي أثرت على نفسيته.
يزداد إصرار أوجي خلال سير أحداث الفيلم، على مواجهة العالم والحياة، فعلى الرغم مما تعرض له من ندبات نفسية أثرت فيه، إلا أنه ظل الطفل العنيد الذي واجه الجميع بحقيقة مرضه، وأكد تميزه عن البقية بشغفه للجمال ودهشته من الحياة وحبه للكلاب.
يكشف جاكوب تريمبلاي والذي تقمص دور أوجي عن سر قدرته على أداء هذه الشخصية الصعبة، قائلا: «تواصلت مع العديد من الأطفال الذين يعانون من هذا المرض، وطلبت منهم شرح جميع الظروف التي يتعرضون إليها، ما جعلني قادرا على أداء الدور بالشكل المطلوب».
عند مشاهدتك لهذا الفيلم سترى الكثير من الدراما والمشاعر المرهفة، وتناغما بين كل حدث وموقف، سيعجبك حتما التمازج البصري الرائع بين كل مشهد، بذلك الإتقان الذي يتخطى المفاهيم الشفهية بإبداع يلامس الإنسانية والقيم المجتمعية، حينها ستجد نفسك في مجتمع يحتاج إلى تأهيل للكبار قبل الصغار.
بكل هذه المعاني وتزاحمها في قلبي وجدت نفسي في هذا الفيلم، بعاطفة الأم وتقديرالمعلم واحترام المديرالذي وهب جائزة التميز السنوي لأوجي، ليختتم الفيلم بعبارة عظيمة قائلاً: «جميعنا يستحق أن يصفق له ولو مرة واحدة في الحياة». شكرا ستيفن شبوسكي.

https://www.alraimedia.com/Home/Details?id=069ef740-cc03-484d-ae26-59b722d1b4eb

ذاكرة القلب

قياسي

تسعفنا بداية السنة بتذكر أحداث مضت وتفاصيل معقدة وحوارات لم تنته مع أنفسنا أو مع الآخرين، في لحظات من التأمل والتبصر ماذا فعلنا في عامنا الماضي؟ وماذا سنفعل في القادم والمستقبل؟ بل يتعين علينا في بعض الأحيان الهروب من سلسلة من الإجابات التي حتما ستصدم قلوبنا بجوابها القاسي والمعروف لدينا، لاسيما إذا كان الأمر يتعلق بمن نحن؟ وماذا نريد؟
إن هذا التخبط القلبي الذي يصيبنا كل عام بين طموحاتنا وعلاقاتنا وأفكارنا ، ماهو إلا نتيجة إلى ذاكرتنا القلبية التي تزدحم على الدوام بمواقف وقصص محفورة في أرواحنا،وقد يتهرب الكثير منا أو يضعها في سجلات الملفات البالية خصوصًا إذا كان الأمر يتعلق بالمشاعر المتضاربة والسيئة. ومن يريد قراءة سير من الحزن على نفسه؟
ليس من الصعب أبدا أن نخلق من حولنا أحلام وردية وقصص أسطورية يشوبها الفرح دوما، مزينة بالبسمة والرضا مكللة بالأمل والألق، ولكن هل هي الحقيقة فعلا أم هي خدعة نختلقها حتى نهرب من المسؤولية العظيمة التي بين أيدينا التي تبدأ من إعمار الأرض إلى نشر السلام انتهاء بإرساء قواعد من الحب والعطاء الوفير.
تبدأ حساباتنا العمرية غالبا في اليوم الأخير من السنة وتترتب عليها أزمة منتصف العمر التي تصيبنا، مع أننا نعرف جميعا أن العمر مجرد رقم يضاف في خارطة السجلات، صحيح أنه  من المهم أن يغتنم الإنسان شبابه قبل هرمه،ولكن ما الفائدة أن يظل الإنسان سنين طويلة في المحطة نفسها متعللا بساعة ميلاده؟
حين يسكننا الإحساس بثقل السنوات التي مضت وبثقل الآتي، فإنه لا يمكننا أن نخطو خطوة إلى الأمام بل إننا سنقف عاجزين عن تحقيق حتى جزء يسير من أحلامنا والسبب يكمن في أحاسيسنا التي ينتابها الأسى والقنوط في كل مرة،غير مدركين أن الحزن بثقله أمر طبيعي يتخلل حياة كل فرد فينا،وأن لكل مرحلة تفاصيلها العمرية بحلوها ومرها،فكيف نتعلم إذا لم نذق طعم الفشل؟
يطرح المفكر علي شريعتي في كتابه «الإنسان والإسلام» الفرق بين مفهومي الإنسانية والبشرية، فيشرح الفرق العميق الذي نجهله نحن، فالإنسان هو ذلك الذي يختار قراراته بفكر واع دون تأثير الآخرين من حوله حيث إنه يكون ذا مسوؤلية مجتمعية اتجاه كل حدث ناهيك أنه مبدع في مجال تأثيره الفكري. أما البشرية تعني أن تكون كائنا حي تأكل وتشرب وتنام وتتكاثر طوال مسيرة حياتك دون أن تعي بمن أنت ولماذا خلقت وما دورك في هذا الكون،أشبه بأن تكون حيوانا لا أكثر ولا أقل!
«نحن نحب الحياة ما استطعنا إليها سبيلا»هذه المقولة التي تعزز فينا الإقدام على مواجهة هذه الحياة، بل إنها تزرع في ذواتنا معنى أن نحب إنجازاتنا مهما بلغت في صغرها وتحثنا على الإنجاز باستمرار وتذكرنا من نحن ولماذا خلقنا وتقودنا إلى التصالح مع ذواتنا،بل تؤكد أن علينا أن نبدأ هذه اللحظة من التحرر من الأشياء التي لافائدة لها تذكر والتي تسبب شلل في حركة قلوبنا قبل عقولنا، والتي تشكل عبئا مضاعفا على ذاكرتنا.
إن هذا هو الوقت المناسب لنطوي صفحة من اليأس ونبدأ مغامرة جديدة وقصة رائعة ننقشها في محيا أحبابنا، وندرك فعلا أن ثرائنا ليس بتضاعف أرقام أرصدتنا البنكية بل إنه بمعرفة جمال أسرار هذه الحياة.

https://www.alraimedia.com/Home/Details?id=c048df77-bafc-4197-95db-b0e20b60b1e8